في مسلسل الندم لا يظهر عروة كشخصية درامية عابرة، بل كحالة إنسانية تختصر مرحلة عربية كاملة، بما فيها من تناقضات وخيبات مؤجلة. عروة هو الإنسان الذي يرى أكثر مما يحتمل، ويفهم أكثر مما يستطيع تغييره. يمتلك وعيًا

أخلاقيًا ومعرفةً بما يدور حوله، لكنه يعيش في حالة عجز مزمن، لا نابع من الجبن بقدر ما هو نتيجة إنهاك طويل وخوف وجودي من السقوط الكامل. هذا الخوف لا يتجلى في لحظة هروب، بل في حياة كاملة مبنية على التأجيل والمسايرة والصمت الحذر.
قبل الحرب، كان عروة ابن واقع اجتماعي عربي يقوم على وهم الاستقرار. يعيش داخل منظومة تعرف اختلالها، لكنها تفضّل استمرارها على مجابهة المجهول. كان الصمت آنذاك يُقدَّم بوصفه حكمة، والانسحاب بوصفه عقلانية. لم يكن عروة راضيًا عن هذا الوضع، لكنه كان مقتنعًا، أو أقنع نفسه، بأن الاعتراض ترف لا يملكه من أنهكته الحياة اليومية ومتطلبات البقاء. هكذا أصبح شاهدًا صامتًا، لا لأنه لا يرى، بل لأنه لا يعتقد أن الرؤية وحدها تمنح القدرة على الفعل.
مع اندلاع الحرب، يتعرّى هذا الوهم بالكامل. لا يخسر عروة أشخاصًا فقط، بل يخسر المعنى ذاته. يكتشف أن الحياد الذي ظنه حماية لم يكن سوى شكل آخر من أشكال التواطؤ غير المقصود، وأن الصمت لا يؤجل الخسارة بل يراكمها. بعد الحرب يتحول إلى ضمير مثقوب، محمّل بأسئلة متأخرة وشعور قاسٍ بالذنب، ليس لأنه أخطأ فعلًا، بل لأنه لم يفعل. يعرف أن عليه أن يكون في مكان آخر، في موقف آخر، لكنه لا يعرف متى ضاعت اللحظة، ولا إن كانت موجودة أصلًا.
في هذا المعنى، تتجاوز شخصية عروة إطارها الفردي لتصبح تعبيرًا عن الوضع الاجتماعي العربي قبل الحرب وبعدها. إنه المواطن الذي سُحقت حياته تحت ثقل السياسة دون أن يكون فاعلًا فيها، والفرد الذي وجد نفسه محاصرًا بين استبداد يقتل ببطء وفوضى تدمّر بسرعة. المسلسل لا يدينه ولا يبرّئه، بل يقدّمه بوصفه نتيجة طبيعية لمجتمع يكافئ الصمت ويعاقب الوعي، ويجعل من النجاة الفردية هدفًا أعلى من أي قيمة جماعية.
عروة ليس بطلًا ولا خائنًا، بل إنسان عادي في زمن غير عادي. قوته الدرامية تنبع من كونه يشبه الكثيرين، من أولئك الذين لم يسقطوا في لحظة واحدة، بل تآكلوا تدريجيًا من الداخل. ومن هنا تأتي قسوته وجماله معًا؛ لأنه لا يصرخ ولا ينتفض، بل يحمل ندمه بهدوء ثقيل، كأنه يقول إن المأساة العربية الحقيقية لا تبدأ عند الحرب، بل قبلها بكثير، حين يتعوّد الإنسان على العيش بنصف حياة.
