مذيعة بارزة في قناة عربية شهيرة قضت سنوات طويلة خارج وطنها الأم، وعادت بمظهر لا يشي بأنها ابنة بيئة عربية أو مسلمة. لكنها حين استعرضت مشاهد الدمار في غزة على الهواء مباشرة، انفجرت دموعها وأوقفت النشرة، ليبقى المشاهدون أمام مفارقة لافتة: كيف لإنسانة نزعت كل ما يوحي بانتمائها أن تتألم كل هذا الألم؟
أخرى تعمل في قناة إخبارية دولية تبث باللغة العربية، عُرفت بدفاعها عن “قيم الحرية والحياد”، لكنها لم تتمالك نفسها حين شاهدت مشهد طفل يصرخ بين الركام في رفح، وقالت بصوت متهدج: “أنا أفتخر بأني عربية، و أشعر بالخزي من صمت العالم”.
المفارقة الصارخة هنا أن المذيعتين تمثلان شريحة من الإعلاميين العرب الذين انسلخوا عن هويتهم الحقيقية، مفضلين تبني ثقافة غربية تحت شعار “الاحترافية” أو “التحرر”. لكن حين تهتز الكاميرات أمام مأساة إنسانية، يعودون فجأة لارتداء عباءة الانتماء، وكأن الهوية مجرد ورقة يُمكن رفعها وقت الحاجة ثم طيها بعيدًا حين تعود الأضواء للانبهار بالغرب.
الإشكالية ليست فقط في دموعهم، بل في التناقض العميق بين ما يروجونه في حياتهم اليومية، وما يُفترض أن يمثلونه كإعلاميين عرب ومسلمين. فالانتماء الحقيقي ليس شعارًا مؤقتًا، ولا يختزل في كلمات تُلقى في لحظة انفعال، بل هو سلوك وقيم تترجم في كل تفاصيل الحياة – بدءًا من المظهر وحتى طريقة التفكير.
لقد آن الأوان للإعلام العربي أن يسائل: كيف يمكن لمن تخلى عن هويته اختيارًا، أن يكون صوتًا صادقًا لقضايا أمته؟
القنوات العربية التي تدفع مذيعيهم لتبني هذا النموذج تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأمة إلى أصوات قوية تعبر عن نبضها وقضاياها، يتم تصدير نماذج مشوهة تبدو كأنها نُسخ مستنسخة من ثقافات أخرى. ومع ذلك، تثبت المواقف الإنسانية الصادقة – كالتي تظهر عند الحديث عن فلسطين – أن الهوية قد تغيب ملامحها الخارجية لكنها تبقى حية في الداخل.
