وثيقة الاستسلام

“أيها الرغيف: أنت وثيقة الاستسلام التي تقدم لنا كل صباح”

محمد الماغوط

هذا الاقتباس من محمد الماغوط واعٍ وقاسٍ، ويعكس نظرته النقدية للواقع الاجتماعي والإنساني.

ماذا يقصد بقوله «وثيقة الاستسلام»؟ الماغوط لا يتحدث عن الرغيف بوصفه طعامًا، بل بوصفه رمزًا. فالرغيف هنا يعني: الحاجة، الجوع، القوت اليومي. وعندما يسميه «وثيقة الاستسلام»، فهو يقول إن الإنسان، حين يُختزل كل همه في تأمين لقمة العيش، يوقّع – دون أن يشعر – على التنازل عن: أحلامه،مواقفه، كرامته أحيانًا، وحتى صوته الاحتجاجي.

وكأن الرغيف يصبح عقدًا غير مكتوب: أعطني قوتي، وخذ في المقابل صمتي وقبولي بالواقع. ولهذا قال «تُقدَّم لنا كل صباح»؛ لأن الاستسلام ليس حدثًا واحدًا، بل ممارسة يومية متكررة.

وفي عصرنا، البحث عن لقمة العيش لم يعد مجرد عمل، بل أصبح: سباقًا مرهقًا، قلقًا دائمًا، وخوفًا من السقوط خارج منظومة الإنتاج. هذا الضغط يجعل الإنسان يفضّل السلامة الفردية على التضامن الجماعي، وينشغل بنفسه عن غيره، ويرى الآخر منافسًا لا شريكًا. وهنا تسود الفردانية بدل الجماعة.

Scroll to Top